نحو مجتمع مدني..
يعزز السلم الأهلي والمواطنة
ليس بعيداً عن التخبط اللبناني في مستنقعات الطائفية والمذهبية والمناطقية والفئوية تنشط منظمات وتجمعات وائتلافات مدنية في حركة دؤوبة لتعزيز السلم الأهلي اللبناني منطلقة من خلفية مدنية – علمانية، مرتكزة على الدستور وشرعة حقوق الإنسان والمواثيق الدولية المتصلة بها، لتؤسس لنظرة عامة بعيدة عن التجاذبات السياسية ذات المصالح الضيقة، التي ما يزال اللبنانيون يعانون منها. ما هو المجتمع المدني؟ ما الفرق بينه وبين المجتمع الأهلي أو الخيري أو المحلي؟ ما هي أبرز تحركات المنظمات المدنية اللبنانية منذ احتدام الأزمة الأمنية السياسية بعد اغتيال الرئيس الحريري؟ وكيف يمكن لهذه المنظمات أن تعمل على تعزيز السلم الأهلي، وتساهم في بناء وطن لجميع أبنائه؟
المجتمع المدني من حيث المبدأ هو نسيج متشابك من العلاقات التي تقوم بين أفراده من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى؛ علاقات تقوم على تبادل المصالح والمنافع، والتعاقد والتراضي والتفاهم والاختلاف والحقوق والواجبات والمسؤوليات، ومحاسبة الدولة في كل الأوقات بالسبل الديمقراطية. هذا النسيج من العلاقات يستدعي، لكي يكون ذا جدوى، أن يتجسد في مؤسسات طوعية، اجتماعية واقتصادية وثقافية وحقوقية متعددة، تشكل في مجموعها القاعدة الأساسية التي ترتكز عليها مشروعية الدولة من جهة، ووسيلة محاسبتها إذا استدعى الأمر ذلك من جهة أخرى.
للمجتمع المدني بهذا المفهوم أربع مقومات أساسية هي: الفعل الإرادي أو التطوعي، الانتظام في منظمات أو جمعيات، قبول التنوع والاحتلاف بين الذات والآخر، وعدم السعي للوصول إلى السلطة. ويدخل في دائرة منظمات المجتمع المدني أي كيان مجتمعي منظم يقوم على العضوية المنتظمة تبعاً للهدف العام، مثل: النقابات، الحركات الاجتماعية، الجمعيات التعاونية، النوادي الرياضية والاجتماعية، الاتحادات الشبابية والطلابية، المنظمات غير الحكومية الدفاعية والتنموية كمراكز حقوق الإنسان والمرأة والتنمية والإعاقة، الصحافة الحرة وأجهزة الإعلام والنشر، مراكز البحوث والدراسات والجمعيات الثقافية. ويقوم المجتمع المدني بدوره، وخاصة المنظمات المطلبية غير الحكومية المعنية بالقضايا الاجتماعية وعلى رأسها قضايا الإعاقة، على مستويين: الأول، تعبوي من خلال نهوض المنظمات هذه بوظائفها الأساسية في المجتمع وتكون فعلاً على الأرض مع أصحاب القضية بشكل مستمر ومتواصل، والثاني توعوي يتحقق من خلال التدريب العملي على الأسس الديمقراطية تجاه الأفراد والمجموعات المدنية ومؤسسات الدولة كلما دعت الحاجة. من الملاحظ، هنا، أن الصحافة الحرة ووسائل الإعلام هي بالضرورة من الكيانات الاجتماعية الداخلة في دائرة المجتمع المدني؛ مع التأكيد على الحرّة منها، أي تلك التي تشكل فعلاً سلطة رابعة تضاف إلى التشريعية والتنفيذية والقضائية، وليست تلك التابعة مباشرة إلى فئة أو جهة أو طائفة أو تنظيم.
أهلي، خيري، أم مدني؟
عملت الحكومات المتعاقبة على السلطة التنفيذية في لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975 – 1991) حتى يومنا هذا على تعميم غير مقصود لمفهوم تنظيم عملية التسول على مستوى وطني. فلبنان كدولة محدودة المصادر معتمدة بالدرجة الأولى على عائدات الخدمات السياحية من جهة وعلى عائدات أبنائه المهاجرين في الخارج العربي وغير العربي يرزح تحت وطأة خدمة دينه العام الذي يربو عن خمسين مليار دولار أمريكي، تم صرف أصله في الاستهلاك لا الاستثمار؛ فيما لم يعد يسمح له وضعه الأمني غير المستقر بنمو اقتصاده، يعمم مسؤولوه الماليون والسياسيون اعتماده على الهبات والمساعدات والودائع المصرفية، مما بات يسمح بمساحة لا بأس بها من وعي المواطن العادي للاتكال الدائم على مبدأ المساعدة والهبة، وبالتالي يستسيغ هذا المواطن رؤية مشاهد متكررة من طلب التعويضات من الدولة أو الجمعيات التي حلت قسراً محل الدولة في بعض الخدمات في حياته اليومية، وبالضرورة على شاشات التلفزة التي ما هي إلا عكساً للواقع الذي يعيشه.
وقد حمل هذا التعميم مخاطر جمة على الفئات المهمشة، وعلى رأسها فئ
المزيد