وثيقة المؤتمر اليساري التشاوري 4

تشرين الثاني 17th, 2008 كتبها عماد الدين رائف نشر في , اليساري التشاوري

على الطريق نحو إنضاج السيرورة النضالية لفرض هذه التحولات الديمقراطية المتقدمة، لا بد من أن ينخرط اليسار اللبناني بكل ما أوتي من إمكانات في النضال لأجل المهام الأساسية التالية:
أ ـ إقرار قانون جديد للانتخابات النيابية يعتمد التمثيل النسبي غير الطائفي ولبنان دائرة واحدة، مع خفض سن الاقتراع إلى الثامنة عشرة، واعتماد مبدأ الحصة النسائية في التمثيل النيابي، وإلغاء رسم الترشيح واستبداله بعريضة التواقيع الشعبية، وضبط النفقات الانتخابية تحت سقف يصبح تجاوزه سبباً لإبطال الانتخاب، وتنظيم عادل وعصري لاستعمال الإعلام وقمع الرشوات على اختلافها .
ب ـ استكمال الإصلاحات التشريعية بما يشمل: تطبيق التمثيل النسبي في الانتخابات البلدية؛ استحداث قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية يكون مَعْبراً نحو قانون مدني إلزامي؛ إنشاء قانون ينظّم مفهوم الإقامة وفقا لمعايير عصرية محددة في بلد يعيش معظم سكانه في غير أماكن تسجيلهم؛ إقرار وتنفيذ قانون للامركزية الإدارية يتيح الاستثمار الأمثل للموارد المتاحة في المناطق في ضوء ما خلص إليه المخطط التوجيهي لاستعمال الأراضي اللبنانية؛ إقرار قانون عصري للأحزاب السياسية يطلق حرية تشكيلها على قاعدة العلم والخبر…. هذا بالإضافة إلى تشريعات متقدمة لحماية الحريات العامة والخاصة ووقف تدخل السلطة في شؤون الحركة النقابية وإطلاق الحقوق والحريات النقابية كافة التي نصت عليها اتفاقات منظمة العمل الدولية، بما يشمل إقرار حق التنظيم النقابي للقطاع العام.
ج ـ فتح ملف الإصلاح الإداري، الذي هو في جانب أساسي منه إصلاح سياسي، والشروع الفوري في تنفيذ هذا الإصلاح، ولا سيما عبر تعزيز آليات المحاسبة والمساءلة وتقييم الأداء وإصلاح وتحديث هياكل الإدارة العامة ومواردها البشرية وإخضاع عمل المؤسسات العامة للحساب الاقتصادي ومعايير الكفاءة المهنية والخدمة الاجتماعية، بالتلازم مع قمع الفساد والإفساد السياسي والمالي للإدارة، ومساعي تطييفها ومذهبتها. وهذا يتطلب وقف التدخلات السياسية في الإدارة العامة وضمان استقلالها وتعزيز أجهزة المحاسبة والمراقبة (مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي وديوان المحاسبة وهيئات الرقابة والمحاسبة الأخرى).
د ـ وضع استراتيجية دفاعية تضمن قيام جيش شعبي ووطني في رأس مهماته الدفاع عن الوطن ضد العدوان الخارجي، وبوجه أخص الإسرائيلي والأطلسي، بالتلازم مع تكريس وجود مقاومة وطنية تنخرط في إطارها المقاومة الحالية، ويتاح لكل المواطنين المهتمين بالالتحاق بها أن يفعلوا ذلك بحيث تصبح مقاومة شعبية من كل الطوائف والمذاهب، ذكوراً وإناثاً، وذلك من ضمن سياسة دفاعية وطنية شاملة.
هـ ـ النضال من أجل رفع مستوى معيشة اللبنانيين جميعاً، وعدم تحميل كادحي البلد ومهمشيه فواتير الحروب الأهلية المتكررة، والسياسات المالية الكارثية للحكومات المتعاقبة ، ولا سيما منذ العام ،١٩٩٢ مع إرثها من الديون التي يجب إيجاد حل لها على حساب الفئات والطبقات والقوى السياسية والاقتصادية والمالية المسؤولة عنها أو التي استفادت منها. على أن يشمل هذا المسعى أيضاً جملة من المهام الاقتصادية والمالية، في مقدمتها اعتماد السلم المتحرك للأجور والضريبة التصاعدية وما إلى ذلك من عناصر سياسة اقتصادية واجتماعية متقدمة ، مهتمة حقاً وبالفعل بمطلب العدالة الاجتماعية. وهو ما سنعود إليه في البند التالي ، المتعلق بالواقع الاقتصادي ـ الاجتماعي المأزوم الذي يعيشه بلدنا.
٢ البديل المطلوب ودور اليسار على المستوى الاقتصادي ـ الاجتماعي
أ ـ تغيير السياسات الاقتصادية ـ الاجتماعية التي ثبت فشلها، والتوجّه الصريح والمستدام نحو تعزيز القطاعات المنتجة، وبخاصّة الزراعة والصناعة والخدمات الطليعية ذات القيمة المضافة العالية والقابلة للتبادل والتصدير، بما في ذلك أساسا خدمات التربية والتعليم والصناعات الإلكترونية والسياحة البيئية والثقافية، التي لا يشترط تطويرها وجود موارد طبيعية. وتتطلب عملية التغيير هذه إقرار وتنفيذ جملة تدخلات وحوافز تطول توفير البنى التحتية المؤاتية والإطار التشريعي الملائم وتحسين إعداد وتدريب الموارد البشرية وإعادة هندسة سياسات التسليف والتسويق والنقل إضافة إلى الدعم الجدي للعمل التعاوني.
ب ـ السعي لتنفيذ برنامج متقدم لحماية الطبيعة والبيئة ومصادر المياه والغابات والأراضي الزراعية، بالاستناد إلى مقاربة كابحةٍ لنهج الاستباحة المطلقة والعشوائية التي ميّزت ممارسات الرأسمال الجشع في هذا المجال. ويندرج ضمن هذا السعي وقف المرامل والكسارات نهائياً، وإيجاد حل جذري للنفايات الصلبة والسائلة، والحؤول دون التلوث الناجم عن الصناعة ومياه الصرف، وبوجه خاص ذلك الذي يصيب الأنهار والبحيرات والشواطئ. كما تندرج في هذا الإطار إعادة بناء صناعة نفطية تكريرية متقدمة واستعادة الأملاك البحرية وغيرها من الأملاك العامة من تحت سيطرة مستثمريها غير الشرعيين، ومنع الحرائق ومكافحتها الفورية ومعاقبة مفتعليها ، واستكمال بناء السدود المدروسة وحماية حقوق البلد في مياهه، ولا سيما في الجنوب، والعمل على الاستفادة القصوى منها.
ج ـ وقف الاستدانة إلا لغرض الاستثمار المنتج اقتصاديا واجتماعيا في مشروعات إنمائية مدروسة بشكل مهني وذات أولوية مطلقة، ولا سيما في مجال توفير البنى التحتية والخدمات العامة الأساسية (كهرباء، ماء، صحة، تعليم، هاتف، مواصلات، محروقات، الخ…) كحق للمواطنين على الدولة تأمينه بأقل كلفة ممكنة وبنوعية جيدة؛ وفرض تحقيق شامل لكشف الحقائق الملموسة حول صرف عشرات المليارات من الدولارات المستدانة في العقدين الأخيرين، مع ما رافق ذلك من إعادة توزيع قسري للثروة والدخل ومن عمليات نهب وهدر لم تستفد منها الا قلّة من اللبنانيين؛ وتحديد القوى المسؤولة عن تلك العمليات واستحداث تشريعات لاستعادة الأموال المنهوبة مع فوائدها. وبهذا المعنى فانه ينبغي اعادة النظر جذرياً في أولويات ورقة باريس ٣ وبرامج البنك وصندوق النقد الدوليين، التي لا تركّز الاهتمام عمليا إلا على الجوانب المتصلة أساسا بقضية إدارة الدين العام واستدامة تسديد خدماته، وتهمل مسائل الاقتصاد الحقيقي والإفقار المتزايد الذي تتعرض له غالبية الشعب اللبناني.
د ـ إبراز أولوية تطوير وحماية القطاع العام من ضمن إخضاعه لعملية إصلاح شاملة تتزامن مع تقدّم الإصلاح السياسي المنشود، وهذا ما من شأنه أن ينزع الحجج والذرائع التي يستخدمها العديد من أهل الحكم، القديم منهم والجديد، للمضي من دون هوادة في سياسة الخصخصة. وإذا كانت ثمّة دواع لخصخصة ما في هذا المرفق أو ذاك - ولا سيما في تلك المرافق التي هي ليست بالضرورة جزءا من الحقل العام ولكنها آلت »صدفة« إليه إما بفعل إفلاسات سابقة في القطاع الخاص أو بفعل الإرث الذي خلّفه الانتداب الفرنسي - فان مثل هذه الخصخصة ينبغي أن تخضع لشروط محددة تتعلق بطبيعة الحكم والتوازنات فيه وبحماية مصالح المستهلكين ومنع حلول احتكار خاص مكان احتكار عام، ناهيك عن حماية الحقوق المكتسبة للعاملين.
هـ ـ إعادة صياغة السياسة الضريبية المتبعة منذ أوائل التسعينيات والتي لم تخفف من أوجه عدم المساواة الاجتماعية في البلاد، بل فاقمتها على غير صعيد، بالرغم من مروحة الإعفاءات الضريبية المعمول بها ومن انخراط الدولة المتزايد - كماً وليس نوعاً ـ في تمويل نفقات الصحة والتعليم وبعض الخدمات الاجتماعية الأخرى. وفي إطار الإصلاح الضريبي المنشود ينبغي الاتجاه نحو قدر أكبر من التصاعدية في النظام الضريبي واستحداث ضرائب على أرباح التحسين العقاري وفرض ضرائب عالية على المضاربات المالية، وعلى سندات الخزينة وأرباح الشركات الكبرى، هذا بالإضافة إلى إخضاع بعض عناصر الثروة للضريبة.
و ـ بلورة وتنفيذ سياسة اجتماعية لا تصطنع »نفخ« مسألة مكافحة الفقر ومسألة الفئات الفقيرة والمهمّشة بهدف التملّص من معالجة المرتكزات الأساسية للسياسة الاجتماعية التي تتمثّل في تجسيد حقوق المواطنة في الصحة والتعليم والشيخوخة والعمل والسكن والضمانات الاجتماعية الأساسية الأخرى، لأوسع فئات المجتمع اللبناني وفي طليعتهم الفقراء والمعوّقون والمتعطلون عن العمل والنساء ربّات البيوت وأطفال الشوارع وغيرهم من الفئات المهمشة. ويندرج في هذا الإطار إرساء قاعدة واضحة لسياسة الأسعار والرواتب والأجور بما يحفظ ويعزّز علاقة الأجر الحقيقي بكلفة المعيشة.
ز ـ تعديل وتطوير القوانين التي لها علاقة بوضع المرأة، ومن ضمنها قوانين الإرث، والعمل، والعقوبات، والجنسية، بحيث تحصل المرأة على مساواة فعلية مع الرجل في كل الميادين، بما في ذلك فتح كل مجالات العمل التي يحتكرها الرجال أمامها وتأمين روضات أطفال مستوفية كل شروط السلامة والصحة. وفي الإطار ذاته الاهتمام الأقصى بأوضاع الشبيبة من الجنسين، ولا سيما على صعيد تحسين نوعية التعليم الرسمي وضمان فرص العمل، وحل مشكلة البطالة حلاً جذرياً، وتأمين المشاركة الحقيقية من جانب الشبيبة في الحياة السياسية وفي القرارات المصيرية التي تتعلق بحياتهم، وحياة البلد ككل.
إن هذا البرنامج الذي تطرحه قوى اليسار والذي يهدف إلى إحداث تغيير حقيقي في طبيعة السلطة الحالية ـ باتجاه سلطة شعبية ديمقراطية أقرب إلى الهموم والمصالح الأساسية للغالبية الواسعة من اللبنانيين ـ يتطلب تعبئة تحالف واسع من القوى الاجتماعية الخارقة للاصطفافات الطائفية التقليدية، وفي طليعتها النواة الأساسية للطبقة العاملة وللفئات المتوسطة والفقيرة إضافة إلى شرائح من المثقفين المستقلين عن أركان النظام والطوائف. ومن شروط بلورة هذه الكتلة الشعبية، تبرز مهمة إعادة بناء الحركة النقابية من جذورها واستحداث هيكلية جديدة لها تضمن انغراسها في الوسط العمالي وقطاعات الإنتاج، والتزامها النضالي بالقضايا الشعبية والوطنية.
- VI -
لأجل أن يتجاوز اليسار اللبناني أزمته المتمادية
في ضوء ما تقدم من قراءة للوقائع والتطورات والاحتمالات المطروحة، يستعاد طرح السؤال حول دور اليسار في مجابهة هذه التحديات. ويأخذ هذا النقاش أبعاداً تصل إلى حدّ المساءلة حول مدى جهوزية القوى اليسارية لتحمل أعباء هذه المواجهة المفروضة عليها وعلى الشعوب العربية عموماً، ومدى استعدادها لإجراء قراءة نقدية جدية لتجاربها السابقة. وينطوي هذا النوع من القراءة النقدية على همٍّ نضاليٍّ وطنيٍّ لدى فئات واسعة من اللبنانيين، مناضلين سياسيين يساريين وشبابا عاشوا تكرا

المزيد


وثيقة مؤتمر اليساري التشاوري 3

تشرين الثاني 17th, 2008 كتبها عماد الدين رائف نشر في , اليساري التشاوري

ب ـ الهشاشة الداخلية والوزن الطاغي للتأثير الخارجي
لقد كان لبنان، عبر تاريخه الطويل، جزءاً من إمبراطوريات متلاحقة تعاقبت في السيطرة على المنطقة العربية الحالية، منذ أيام الرومان، مروراً بالإمبراطورية العربية الإسلامية ووصولاً إلى السلطنة العثمانية التي كانت بدأت تشهد تدهوراً واضحاً في القرن التاسع عشر، مشجعة الدول الكبرى الصاعدة آنذاك للانقضاض عليها في الوقت المناسب. وفي فترة الانتظار هذه بالذات، تكثفت التدخلات الأجنبية في شؤون هذه البقعة الصغيرة جداً، التي جرى تقليصها في مرحلة أولى إلى حدود ما كان يعرف بجبل لبنان أيام المتصرفية، والتي لم يؤد إطلاق تسمية »لبنان الكبير« عليها ـ من قبل القائد العسكري الفرنسي الجنرال غورو القادم منتصراً إلى المشرق العربي غداة الحرب العالمية الأولى جنباً إلى جنب مع حليفه الإنكليزي ـ إلى التخفيف من الهشاشة الفعلية لهذا الكيان اللبناني الناشئ الذي فرضه الفرنسيون بصيغته الجديدة بالاتفاق مع الرجعية المارونية، على حساب الوحدة السورية التي كانت تنشدها الغالبية الشعبية. على العكس، فلقد بات »لبنان الكبير« أشد هشاشة من جبل لبنان، نظراً للتوازنات الطائفية التي عمّق الانتداب الفرنسي اختلالها في مرحلة سيطرته المباشرة على البلد، وجعلته عرضة مذاك لتجاذبات إقليمية ودولية تتفاوت قوة وتأثيراً وفقاً للظروف.
ج ـ التطور الاقتصادي المشوّه (الذي سيتم التوسّع فيه لاحقاً) والهيمنة الطبقية المأزومة لبرجوازية تابعة. وهما واقعتان تسهلان انعقاد زمام السيطرة السياسية لتحالف هجين بين ممثلي هذه البرجوازية، من جهة، والرموز القيادية الطائفية، من جهة أخرى.
الآليات الثلاث هذه تدخل في علاقة سببية معقدة، وتتوالى في عملية إنتاج وإعادة إنتاج أحدها للآخر، الأمر الذي يفسح في المجال واسعاً أمام تسهيل تزييف الصراع الأساسي في المجتمع وتشويهه، تحت غطاء الصراعات الطائفية والمذهبية. وهذا ما يحول بالتالي دون إعمال مفاعيل هذا الصراع في اتجاه التغيير الجذري على مختلف المستويات. والمقصود هنا بالتحديد هو الصراع الطبقي الذي لم تنقطع المساعي لأجل ضربه وإضعافه وشلّ الأدوات الأهم لتنظيمه وتوجيهه في المسار الذي يخدم مصالح الغالبية الساحقة من الجماهير الشعبية، أي مسار الإصلاح الجذري والثورة الاجتماعية. ولا تتمثل هذه الأدوات فقط بأحزاب الطبقة العاملة ومنظماتها السياسية، بل تشمل أيضاً النقابات والاتحادات العمالية وسائر الأطر النقابية والشعبية.
»الثورة المجهَضة« والإصلاح المعاق
في إطار بنية النظام السياسي اللبناني المحكوم بطغيان التناقضات الطائفية، بات خطر شبه دائم يهدد، في تواريخ اكثر تقارباً، باندلاع انفجارات أهلية مدوية. هذا ما شهدنا ملامحه ونتائجه على مدى حقبة طويلة نسبياً في النصف الثاني من القرن الماضي. ولكن إذا كان الانفجار الأول عام ١٩٥٨ لم يعمّر طويلاً وأعقبته محاولة إصلاحية »متنوّرة« نسبيا هي المرحلة الشهابية ، فان الانفجار الثاني قد استغرق زمنا متماديا بحيث يئس الكثير من اللبنانيين من إمكانية الوصول إلى نهايته، ودفع نسبة عالية منهم إلى الهجرة الدائمة أو المؤقتة. والمفارقة الكبرى أن هذا الانفجار قد بدأ متلازما مع مشروع إصلاحي اكثر جذرية بوضوح من المشروع الشهابي، هو ذلك الذي أعلنت عنه الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، في ١٨ آب ،١٩٧٥ ضمن ظروف اعتبرتها مؤاتية للتغيير الديموقراطي الجذري، وتميزّت بتنامي الصراعين الوطني (نتيجة الوزن الذي اتخذته المقاومة الفلسطينية المسلحة آنذاك في لبنان، وحلفاؤها اليساريون والقوميون المحليون)، والطبقي (مع تعاظم تجليات الأزمة الاقتصادية ـ الاجتماعية للنظام اللبناني). وهذا ما دفع بكمال جنبلاط إلى وصف المسعى المذكور بأنه شيء يشبه، لبنانياً، ثورة عام ١٧٨٩ الفرنسية، ولا سيما عبر ما دعا إليه من فصل للدين عن الدولة واعتماد قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية، إلى غير ذلك من المطالب والطروحات على صعيد القضية الوطنية وقضية الديموقراطية والحريات والعدل الاجتماعي. بيد أن المعركة لأجل هذا المنظور سرعان ما توقفت، ولكن ليس بسبب عدم وجود المقاتلين - stnattabmoc ed etuaf - بحسب عبارة الشاعر الفرنسي، بل لأن الحركة الوطنية تلك، التي كانت تضم بين صفوفها الغالبية الساحقة من يسار تلك الفترة، عجزت عن الاحتفاظ بجوهر مشروعها الديموقراطي والسياسي الإصلاحي وعن الحؤول دون تحوّل المواجهة إلى صراع طائفي دموي مقيت، ساهم تدخل دمشق العسكري آنذاك إلى جانب قوى اليمين الرجعي المحلي في تسعير حدّته.
إن الإخفاق المدوي الذي عرفه مشروع يسار السبعينيات في حرب السنتين سوف يسّهل التطورات البائسة اللاحقة، وفي مقدمتها الاجتياح الصهيوني للبنان عام ،١٩٨٢ وخروج المقاومة الفلسطينية مهزومة من لبنان، والتراجع الخطير لوزن قوى اليسار والتقدم أمام نمو القوى الطائفية والدينية، فضلاً عن إطالة أمد الحرب الأهلية وانعكاساتها الوخيمة على أوضاع الشعب اللبناني (والفلسطينيين المقيمين في لبنان) وعلى وعيه وتوجهاته الفكرية والسياسية.
ومع أن اليسار قد عرف كيف يجد لنفسه موقعاً طليعياً رائداً، في تلك الفترة، في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ودحره عن جزء أساسي من الأرض اللبنانية، لقاء تضحيات جسيمة، إلا أنه فشل في المحافظة على موقعه هذا حتى النهاية، ووجد نفسه مضطراً لمغادرته أواخر الثمانينيات، وذلك لأسباب شتى، أهمها القمع الذي تعرض له على يدي القوى الدينية والطائفية، بتشجيع من النظام السوري الذي استعاد عام ١٩٨٧ ما كان خسره من مواقع عسكرية في لبنان نتيجة اجتياح عام .١٩٨٢ وهو ما ستكون له عواقب وخيمة على وزن هذا اليسار ودوره اللاحق، وإن كان يجب الاعتراف، مع ذلك، بأن حزب الله الذي أريد له احتكار قضية المقاومة العسكرية للاحتلال مذاك، نجح في إجبار إسرائيل على الانسحاب من الشريط الحدودي في العام ،٢٠٠٠ كما نجح بعد ذلك بإفشال الحرب الشعواء التي شنتها إسرائيل على لبنان عام ٢٠٠٦ بهدف تصفية مقاومته ووجودها المسلح. وهو نجاح لا يلغي واقع أن الوزن الفعلي، الذي بات يتخذه الحزب المذكور في الحياة السياسية والاجتماعية ـ الاقتصادية اللبنانية، ومعه شتى القوى الدينية والطائفية السلفية، التي يطلق عليها البعض تسمية الإسلام السياسي، سوف يشكل دائماً عائقاً هاماً دون تحقيق تطلعات اليسار إلى مجتمع ودولة علمانيين ديموقراطيين، ويهدد بصورة أو بأخرى بتسهيل انفجار حروب طائفية ومذهبية تدخل بامتياز في مشاريع إسرائيل والإدارة الأميركية للسيطرة على المنطقة.
إن اتفاق الطائف في خريف عام ١٩٨٩ قد جاء ليشكل تتمة منطقية لهذا الواقع، وان كان سجل بعض النقاط الإيجابية النسبية المتمثلة بوقف الحرب وبإقرار نصّ حول إصلاحات دستورية، وإن جزئية، كان يفترض أن تؤدي في مدى زمني معقول إلى إلغاء الطائفية السياسية. والواقع أنه لا يمكن فهم هذا الاتفاق انطلاقاً فقط من المعطيات والمسببات الداخلية، بل انطلاقا كذلك من علاقته الوثيقة بصفقة أميركية ـ سورية محدّدة أعطت دمشق، للمرة الثانية في العقود الأخيرة، اليد الطولى في ترتيب الواقع السياسي اللبناني بالتنسيق مع العراب السعودي، الذي كان دوره يتنامى طوال الحرب الأهلية اللبنانية، وأصبح أكثر وزناً وفاعلية بكثير، منذ البدء في تطبيق هذا الاتفاق، ولا سيما مع صعود الحالة الحريرية الشديدة الارتباط به. وقد صبّت النتائج الملموسة لهذا الاتفاق ضمن موازين القوى الفعلية المحكومة بالسيطرة السورية ـ حتى خروج الجيش السوري من لبنان في ربيع العام ٢٠٠٥ ـ في اتجاه آخر معاكس يغلب عليه الطابع السلبي، ويتلخّص كما يلي:
أ ـ الاكتفاء من الإصلاحات الدستورية التي نص عليها الاتفاق بالجانب الذي كانت قد نصت عليه الوثيقتان اللتان سبق أن لعبت دمشق الدور الأساسي في إنتاجهما بخصوص الوضع اللبناني، أي الوثيقة الدستورية التي عاد بها من العاصمة السورية الرئيس الأسبق سليمان فرنجية أوائل العام ،١٩٧٦ ثمّ مشروع الاتفاق الثلاثي الذي أُقر في دمشق عام .١٩٨٥ ويتمثل هذا الجانب بالمناصفة في عدد النواب والوزراء، والتكريس الفعلي لطائفية الرئاسات الثلاث، إضافة إلى تحجيم سلطات الرئاسة الأولى لصالح رئيس الوزراء، ومجلس الوزراء مجتمعاً. وهذا ما أبقى الانقسام الطائفي والمذهبي كالنار تحت الرماد، وإن جرى تعديل مواقع الهيمنة على حساب البرجوازية المارونية ولمصلحة نظيرتها السنية بوجهة أخص.
ب ـ تشجيع المحاصصة الطائفية بين شتى رموز السلطة، ولا سيما على صعيد الرئاسات الثلاث، مع ما لازم ذلك من تعزيز للفساد وتسعير فعلي للعصبيات المذهبية والطائفية. أي بالضبط عكس ما كان يفترض أن يحصل فيما لو جرى التطبيق الدقيق لنص الاتفاق، الذي كان سيشكل مدخلاً لضبط تلك الظاهرات، وان كان البعض يعتقد أن الاكتفاء بإلغاء الطائفية السياسية، من دون علمنة الأحوال الشخصية والتعليم، قد يؤدي إلى عكس ما يفترض منه إنتاجه على صعيد وعي الناس ومشاعرهم ومواقفهم وبالتالي على مستوى الواقع السياسي.
ج ـ إن الشكل الذي اتخذه التطبيق الفعلي (الجزئي جداً والمشوّه) لاتفاق الطائف، وما لازم ذلك من مشاعر الغبن المستجدة لدى الكثير من المسيحيين، سيفاقم في ما بعد تشويه قضية الديموقراطية البرجوازية (الممكنة في مجتمع رأسمالي). وهذا ما لمسناه بقوة، في السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد صدور القرار ١٥٥٩ عن مجلس الأمن واغتيال الرئيس الحريري وإخراج القوات السورية من لبنان. فوسط تغير موازين القوى السلطوية لصالح إحلال هيمنة أميركية محل هيمنة دمشق ـ وهو تغير جوبه بممانعة شديدة من جانب أنصار هذه الأخيرة الذين سعوا إلى إحباط مشاريع واشنطن في إطار ما يوصف بالشرق الأوسط الكبير ـ اندرج تشويه الديموقراطية تحت ستار تسمية الديموقراطية التوافقية، المبرّرة بالتعددية الطائفية والمذهبية في المجتمع اللبناني. وقد خيضت على أساس ذلك معركة المعارضة لأجل المشاركة السلطوية على امتداد السنتين الأخيرتين، وهي المعركة التي توّجت بانتصار هذه المعارضة وباتفاق مؤتمر الدوحة المشهور، الذي فك الحجز أخيراً عن انتخاب رئي

المزيد


وثيقة المؤتمر اليساري التشاوري 2-3

تشرين الثاني 14th, 2008 كتبها عماد الدين رائف نشر في , اليساري التشاوري

اولاً: الهجمة الأميركية الجديدة، الأهداف والوسائل
لم تنتظر الإدارة الأميركية اكتمال سيرورة الانهيار المتسارع للمعسكر الشرقي كي تفصح علانية عن استعدادها لخوض حروب مباشرة بهدف تأكيد هيمنتها الأحادية على منابع الطاقة في المنطقة العربية، كمدخل أساسي للسيطرة على الاقتصاد العالمي. وهو ما سيتبدّى منذ حرب الخليج الثانية عام ،١٩٩١ التي أطلق خلالها الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش الأب، حملة عسكرية على العراق اثر غزو صدام حسين للكويت، وحشد لها جيوشاً من عشرات الدول، من ضمنها العديد من الدول العربية. وسيتعزّز هذا النهج مع وصول المحافظين الجدد، بقيادة بوش الابن، إلى موقع القرار في الإدارة الأميركية، لا سيما بعد عملية ١١ أيلول ،٢٠٠١ التي نفذتها منظمة القاعدة ووفّرت لواشنطن الحجة لتحقيق أهدافها الإمبراطورية عبر الغزو والاحتلال المباشر.
١ ـ الأهداف
إذا كان هدف واشنطن الأهمّ هو تعزيز هيمنتها العالمية، فبالنسبة الى المنطقة العربية وجوارها تبرز أهداف محدّدة، بين أهمها استكمال استتباع الأنظمة العربية، وتصفية القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي والمقاومات التي لا تزال قائمة هنا وهناك، وبوجه أخص في فلسطين ولبنان والعراق. وتندرج هذه الأهداف في إطار العمل على اقامة شرق أوسط جديد، كشكل أمثل لتحقيق مصالح أميركا الاستراتيجية وكذلك مصالح إسرائيل.
٢ ـ الوسائل والأدوات
وتحقيقاً لهذه الاهداف لجأت الادارة الاميركية الى مجموعة من الوسائل، بين اهمها:
أ ـ الاحتلال المباشر: فبعدما كانت الامبريالية، التي تلت الاستعمار المباشر، هي الشكل الذي اتخذته الهيمنة الكولونيالية على بلدان العالم الثالث، والذي تميّز باستنزاف مواردها الطبيعية والبشرية واستتباع السلطات السياسية والتحالف الطبقي المسيطر فيها، تستعيد الامبريالية اليوم سمات أساسية للاستعمار التقليدي، عبر الاحتلال المباشر كما حصل في العراق في الحرب الاميركية الثانية عليه، التي تمت في شتاء ،٢٠٠٣ وقبل ذلك في افغانستان.
ب ـ استكمال عملية التجزئة التي بدأت مع اتفاقية سايكس ـ بيكو، بمساع جديدة لتفتيت العديد من دول المنطقة على أسس عرقية وقومية ودينية وطائفية، كما يحدث حالياً في العراق، وكما يتم التخطيط له في لبنان والسودان وبلدان عربية أخرى، وذلك بغرض تسهيل السيطرة عليها، وضرب إمكانات مقاومتها للمشاريع الاميركية والصهيونية.
ج ـ تحويل الصراع القائم في المنطقة، ولا سيما الصراع العربي ـ الإسرائيلي، إلى صراع يضع هذه الدول أو معظمها، وبخاصّة ما بات يُعرف بدول الاعتدال ذات الغلبة الطائفية السنية، في مواجهة ما سمّاه الملك الأردني الهلال الشيعي، ومن ضمنه إيران. ولا ينعكس هذا المسعى فقط في محاولات تأجيج الصراع المذهبي، بل ينعكس أيضاً في محاولات تأجيج صراع قومي مقيت كان بدأه صدام حسين حين شن حربه على إيران عام ،١٩٨٠ وتريد كل من الإدارة الأميركية وإسرائيل، بالتعاون مع الأنظمة العربية الضالعة المتهافتة، أن يتجدد بأشكال شتى، تسهيلاً لإسقاط النظام الإيراني، الذي يربك المخططات الأميركية والإسرائيلية. فطهران التي تنفذ برنامجاً طموحاً جداً لتخصيب اليورانيوم وتتطلع إلى موقع إقليمي متقدّم، تدعم العديد من المقاومات الوطنية (الإسلامية) في المنطقة العربية. وهذا ما يطول سلباً المشروع الأميركي للهيمنة على المنطقة، كما يطول تطلعات إسرائيل للإبقاء على جبروتها العسكري، الذي هزته مواجهة حزب الله الظافرة في حرب تموز ،٢٠٠٦ إضافة إلى صمود المقاومة في غزة، بقيادة حركات إسلامية حاظية بالدعم الإيراني. كذلك فانه يربك حسابات الأنظمة العربية المستسلمة لواشنطن، والتي باتت موضوعياً في حالة تحالف مع إسرائيل.
بيد أنه في موازاة هذا الدور الإيجابي النسبي الذي يضطلع به النظام الإيراني في مواجهة الإدارة الأميركية وإسرائيل، يبرز في المقابل دور سلبي لهذا النظام الذي سهَّل الاجتياح الأميركي لكل من أفغانستان والعراق، ضمن حساب المصالح الخاص به، ودعم ولا يزال قوى وأحزاباً سياسية عراقية متعاونة مع الاحتلال. وتضاف إلى ذلك غلبة الطابع الديني (الرجعي) على ذلك النظام الذي لا يتوانى عن قمع الحريات الديموقراطية والتعددية السياسية، وإعاقة تحرر المرأة وحرمانها من مكاسب كانت حظيت بها، حتى في ظل النظام الرجعي الإمبراطوري السابق. كذلك فان النظام المذكور يحافظ على الطبيعة الطبقية للسلطة، بما هي سلطة برجوازية تابعة، مع ما لذلك من تبعات على الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء وباقي الفئات الاجتماعية المهمَّشة، ناهيكم عن قمعه للتطلعات القومية المشروعة للقوميات غير الفارسية. وانطلاقاً من ذلك، يمكن إدراك ضرورة اتخاذ موقف متحفظ ونقدي ليس فقط تجاهه، بل أيضاً تجاه الحركات والأحزاب الإسلامية الحاظية بدعمه في وطننا العربي. وفي الوقت عينه ينبغي تدارك المخاطر الأشدّ أثراً لأحصنة طروادة الأخرى في المجتمعات العربية، المتمثلة في الحركات الإسلامية السلفية، على اختلافها، وبخاصة منظمة »القاعدة« التي تسهِّل، موضوعياً، المخطط الأميركي ـ الإسرائيلي، وتلقى الدعم المالي واللوجستي من أجنحة أساسية في النظام العربي، ولا سيما داخل النظام السعودي.
ثانياً: دور اليسار ومسؤولياته
إن شراسة الهجمة الأميركية الحالية ومخاطرها على المنطقة وشعوبها الرازحة تحت نير أنظمة التبعية والاستسلام، تتطلب تعبئة أوسع الفئات والقوى الاجتماعية والسياسية الوطنية والتقدمية وتنظيم جهودها في إطار برنامج شامل للمواجهة. والتناقض الأساسي الذي يفترض أن تتصدى له هذه القوى إنما هو التناقض مع المشروع الإمبريالي الأميركي والصهيونية العالمية، ومع النظام الرسمي العربي في تركيبته الراهنة. وهذا التناقض، إذ يحدد الأعداء المباشرين فإنه يحدد معهم طبيعة البرنامج النضالي وأولوياته، ومن ابرز عناوينه:
١ ـ مقاومة الهجمة الأميركية ـ الصهيونية
ولأجل ذلك لا بد من الالتزام بالخطوات التالية:
أ ـ أن يتخذ اليسار موقعه الطبيعي في مقاومة الهجمة الأميركية ـ الصهيونية المتمثلة اليوم بالاحتلال المباشر والتهديد بالاحتلال والحرب، وأن تأخذ هذه المقاومة كل الأشكال الممكنة، عسكرياً، وسياسياً، واقتصادياً وثقافياً، الأمر الذي يؤكد تلازم النضالين الوطني والاجتماعي، كوجهين للصراع الطبقي في بلادنا.
ب ـ أن يبلور صيغة ملموسة للعمل المقاوم تستند الى جبهة تضم شتى قوى اليسار في لبنان، وتعمل بالتنسيق الوثيق مع المقاومة الإسلامية متمثلة بحزب الله.
ج ـ أن يطوّر الآليات المناسبة لتنسيق العمل المقاوم على المستوى العربي وتوحيد النضال في ما بين شتى أطرافه ضد الأعداء المشتركين، بما يساعد في عزل وحصار القوى الدخيلة عليه التي تخدم عملياً المشروع الأميركي ـ الصهيوني، ولا سيما تلك المحسوبة على منظمة القاعدة الإرهابية المشبوهة وأشباهها.
د ـ أن ينشر ثقافة المقاومة بما يؤمن أوسع انخراط شعبي فيها وأوثق التضامن المدني معها، والتوجه الجدي الحثيث نحو تأمين أقصى درجات التعاون والتضامن مع حركات المقاومة والنضال المعادي للإمبريالية، عبر العالم.
إن مواجهة المشروع الأميركي ـ الصهيوني تقتضي النضال الدائب من اجل: تصفية القواعد العسكرية الأميركية من كامل المنطقة العربية والدول المجاورة، بما فيها تركيا؛ وإزالة الاحتلال الأميركي للعراق وإحباط التهديدات بالمزيد من الاحتلال؛ ووقف الهجمة الإسرائيلية المتمادية ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، ومواجهة الأشكال المختلفة لاضطهاد فلسطينيي الأراضي المحتلة عام ،١٩٤٨ وصولا إلى تحرير الأراضي المحتلة في حزيران ،١٩٦٧ كخطوة على طريق ممارسة الفلسطينيين لحقهم في تقرير مصيرهم على كامل أرضهم في فلسطين التاريخية.
٢ ـ الوحدة العربية مجدداً وقضية الأقليات
بالتلازم مع التراجع الخطير للوعي القومي العربي بسبب الهزائم المتعاقبة، تظهر تجزئة الأمة العربية اليوم ـ واكثر مما في أي وقت مضى ـ كتجزئة معاكسة للتقدم التاريخي. فهي تقف عائقاً في وجه التطور الاقتصادي للمنطقة العربية، ولا سيما في ظل أنساق العولمة الراهنة، عبر منعها قيام سوق عربية موحدة وحيلولتها دون مواجهة الآثار السلبية لهذه العولمة على الاقتصادات العربية. فالتوحيد القومي العربي يبرز كضرورة تاريخية واقتصادية: فهو الشرط الذي لا غنى عنه لإنجاز تصنيع حقيقي للبلدان العربية ضمن شروط دقيقة لحماية البيئة، ولإنضاج إصلاح زراعي جذري يؤّمن الاستخدام السليم للأرض وترشيد الاستثمار للموارد المائية، والتفاعل بشكل أعمق مع الثورة التقنية والعلمية. وتتطلب عملية التوحيد هذه طاقات ثورية هائلة، حيث أن ضرورات المجابهة لا تقتصر على أطر قطرية أو محلية وحسب، بل هي تشمل مواجهة الإمبريالية العالمية أيضاً. ويجب التمييز بوضوح تام بين المهام القومية الثورية من جهة والنزعة القومية »الماضوية« التي تشكل من جهة ثانية عائقاً على طريق التغيير الثوري، وتؤخّر تشكّل الوعي الطبقي لدى الجماهير العربية.
وينبغي الاعتراف أن مشكلات قومية أخرى قد أضيفت إلى المسألة القومية العربية، من جراء التقسيم الإمبريالي للمنطقة العربية، ومن ضمنها مشكلة الجماعات البربرية غير المعربة ومشكلة الأكراد، فضلاً عن مشكلة السكان اليهود في دولة إسرائيل. إن اللقاء اليساري ينظر إلى توحيد الأمة العربية من وجهة نظر أممية بحتة، إذ لا يمكن أن يكون التوحيد مفروضاً ضد إرادة أحد الشعوب. وعلى هذا اليسار أن يقرّ بحق الجماهير البربرية في تقرير مصيرها، في الوقت نفسه الذي يشجعها فيه على الاندماج في المنطقة العربية مع احترام خصائصها الثقافية. وينطبق هذا الأمر أيضاً على الأقليات القومية المضطهدة في موريتانيا وجنوب السودان وكردستان العراق، والمناطق الكردية في سوريا، حيث ينبغي احترام حقّ هذه الأقليات في تقرير مصيرها بنفسها.
أما الوضع الإسرائيلي فمختلف تماماً. فالأغلبية اليهودية في دولة إسرائيل الحالية أقامت اضطهادها أساساً على طرد السكان الأصليين العرب. وبهذا المعنى فان الموقف الثوري الوحيد هو الاعتراف بالحق الكامل وغير المشروط للشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره، أي حقه في العودة إلى مجمل الأراضي التي طرد منها وفي العيش متحرراً من كل اضطهاد قومي، واستيفاء الشروط التي تمكّنه من الممارسة العملية لهذا الحق. ويقتضي هذا تفكيك الدولة الصهيونية القائمة على أسس عنصرية، بالتلازم مع معالجة مسألة حقوق الأقلية القومية اليهودية في فلسطين. وترتبط هذه المعالجة بإنجاز المهمة التاريخية الضرورية للثورة العربية، ونجاحها في إطلاق سيرورة قادرة على استقطاب الجماعات اليهودية بعيدا عن الصهيونية. ولا يمكن تصوّر إنجاز هذه المهمّة بمعزل عن تحول ثوري في عموم الشرق الأدنى، مع توفير موازين القوى التي تسمح بتحرير فلسطين من السيطرة الصهيونية والإمبريالية؛ وقد يعني هذا اقتران عملية تفكيك الدولة الإسرائيلية بزوال دول عربية أخرى، باتجاه خلق دولة عربية موحدة. هكذا فان الطابع القومي للثورة في الشرق الأدنى لا تحدده قضية الشعب الفلسطيني فحسب

المزيد


وثيقة المؤتمر اليساري التشاوري 1 - 3

تشرين الثاني 14th, 2008 كتبها عماد الدين رائف نشر في , اليساري التشاوري

يشهد النسق الراهن للرأسمالية المعولمة انهياراً لم تكتمل فصوله منذ صيف عام ،٢٠٠٨ وإن كانت ملامحه قد بدأت في البروز قبل فترة وجيزة، ربما تعود إلى أوائل الألفية الثالثة. وإذ تتركز معالم هذا الانهيار أساساً في أسواق المال والبورصات العالمية ـ عبر إفلاس أو تداعي أو اندماج عدد من كبريات المصارف والمؤسسات المالية وبنوك الاستثمار وشركات التأمين، تحت وطأة تفجُّر أزمة الرهن العقاري التي ضربت الاقتصاد الأميركي قبل نحو عام ـ إلا أن الوقائع المصاحبة للأزمة أو المتولدة عنها في غير بلد من العالم، تؤكد أن هذه الأزمة لا تختصر فقط بأزمة الفقدان المؤقت للسيولة أو بتعاظم المضاربات أو بهشاشة أنظمة الرقابة على الأسواق أو بالاختلال العابر في ثقة المودعين والمستثمرين… بل إن ما يجري اليوم من »تصحيحات« كونية ذات طابع عنيف ومكلف على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، واستطراداً على المستوى السياسي، هو تعبير كامن ومكثّف عن مرحلةٍ انتقاليةٍ بامتياز يعيشها العالم. إنها مرحلة الانتقال المتدرج لهذا العالم من حقبة من التطور الرأسمالي الذي ساده فلتان الأسواق والتطرف النيوليبرالي، إلى حقبة أخرى لم تتوضح فيها إلى الآن معالم التوازن الجديد الذي يفترض أن يعاد إنتاجه بين الدولة والسوق، ولم تتوضح فيها أيضاً المضامين الاجتماعية التي سوف يرتديها هذا التوازن. وغني عن البيان أن محدّدات هذا الانتقال ليست وليدة التطورات والأحداث الراهنة المتسارعة، بل هي تضرب جذورها العميقة في التناقضات البنيوية المعتملة في الطور الراهن من نمو النظام الرأسمالي العالمي، بحسب ما سيجري تناوله أدناه.
ويأتي هذا الانهيار، بغض النظر عن أسبابه الأساسية المرتبطة بالنظام الرأسمالي بحد ذاته، في طوره المعولم، في سياق تطورات سياسية بالغة الأهمية أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي وظهور عالم القطب الأوحد، وانفلات نزعة الخوض في الحروب الإمبراطورية لدى هذا الأخير، ومشاريع تعميم الهيمنة على العالم بأسره، وبوجه أخص على المناطق التي تتجمع فيها النسبة العليا من احتياطي النفط والغاز، ولا سيما في المنطقة العربية، وحتى دول آسيا الوسطى وبحر قزوين. بيد أنه لا بد من التنويه بأن هذه النزعة قد منيت بهزائم حقيقية، كما يظهر بخاصة من نتائج الحربين الأكثر أهمية اللتين خاضهما البنتاغون الأميركي، في هذا العقد، في كل من أفغانستان والعراق، مع عواقب ذلك الوخيمة على الهيبة العسكرية للدولة الأعظم، وأهدافها السياسية. علماً بأن هذا الواقع يتلازم مع تراجعات ملحوظة للطرف عينه في أنحاء متفرقة من العالم: بدءاً بأميركا اللاتينية حيث يتقدم اليسار ويستلم الحكم في معظم دولها، ويصل في تحدي هيمنة واشنطن إلى حدود طرد السفراء، مروراً بباكستان ـ التي سقط فيها حصان سباقها الأساسي، برويز مشرف، ويتنامى رفض جيش هذه الأخيرة للعمليات الأميركية على الحدود بينها وبين أفغانستان إلى حد الاشتباك العسكري ـ، وصولاً إلى لبنان وفلسطين والسودان وحتى الصومال. ناهيكم عن تزايد التحدي الروسي للعجرفة الأميركية الذي عبر عن نفسه بالهجوم على جورجيا ودعم انفصال كل من أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عن هذه الأخيرة، كرد على قرار نشر الصواريخ الأميركية في بولونيا وتشيكيا، والتمهيد لدخول أوكرانيا وجورجيا الحلف الأطلسي، وعلى الدعم الغربي، قبل ذلك، لانفصال كوسوفو عما تبقى من يوغسلافيا القديمة. وهذا غيض من فيض يكشف تراجع الهجمة الأميركية، والمسار الواضح نحو وضع حد للقطبية الواحدة في اتجاه تعددية قطبية تطالب بها بوضوح دول كبرى عديدة في مقدمتها روسيا والصين، وليست أوروبا الموحدة ضدها، في الواقع، وإن كانت رغبتها في بلوغها لا يزال يشوبها الكثير من التردد و….الحياء! نقول ذلك، من دون أن نعتبر أن الوحش الإمبريالي المترنح قد فقد كامل أنيابه. على العكس، ففي حالة التراجع هذه، يمكن أن يندفع في مغامرات يائسة مدمِّرة جديدة، ولا سيما، كما يعتقد كثيرون، في الأشهر الأخيرة من ولاية بوش التي ستنتهي في كانون الثاني/ يناير القادم. وهو ما تتحسب له، وتعد نفسها لمواجهته، الدولة الإيرانية في الفترة الراهنة.
[[[
ـ لقد فتح انتهاء الحرب الباردة المجال أمام حقبة جديدة على مستوى العلاقات الدولية: انتقال الإمبريالية عموما من استراتيجية الردع والاحتواء إلى استراتيجية الهجوم والتوسع والهيمنة (على الأصعدة كافة، العسكرية والسياسية والاقتصادية وخصوصا الثقافية والإعلامية)، إلى الحد الذي شجّع على ترويج فكرة انتهاء التاريخ، أي انتهاء التناقض الأساسي مستقبلا بين الرأسمالية وأيّ من أنماط الإنتاج البديلة. فقد بات العالم أكثر من ذي قبل يدار من »المركز« الرأسمالي، عبر ما يقرره هذا الأخير من آليات (تحرير الأسواق، توسيع مبادلات السلع والخدمات، تعميم ثورة المعلومات، تنميط وتوحيد المقاييس والمواصفات في غير مجال….) وما يقرره كذلك من نظم تشريعات واتفاقات دولية جديدة في شتى الحقول (التجارة، الاستثمار، التحويلات المالية والمصرفية، الملكية الفكرية، انتقال التكنولوجيا،….) متوسّلا تطبيقها بالترغيب والترهيب بواسطة مؤسسات دولية تدور في فلكه (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، منظمة التجارة الدولية، وكالة الطاقة الدولية، النظام المصرفي والمالي العالمي، شبكة أسواق البورصات والمال العالمية، المؤسسات القطاعية المتخصصة…). وبذلك يكون العالم قد اتجه، تحت ستار تحقيق المزيد من الليبرالية، نحو أشكال من »دكتاتورية السوق« التي يتولى ادارتها والتحكم بمسارها كبار »اللاعبين«.
ـ بيد أن »المركز الرأسمالي« يشهد هو الآخر تحولات. فإخلاء الساحة الدولية من قبل قوى »الاشتراكية المحققة« خلق واقعا جديدا أمام آليات تقاسم العالم من جانب التشكيلات السياسية ـ الاقتصادية العالمية المختلفة. فبعد زوال القطبية الثنائية بين »المعسكرين« اتجه العالم، وسط اشتداد التنافس المتعدد الأشكال، نحو مسار محكوم بمنطقين: منطق يدعم استمرار الغلبة الحاسمة للقطبية الأحادية التي تختزلها الولايات المتحدة راهنا، ومنطق آخر يدعم تنويع هذه الغلبة لصالح قطبية متعددة الأطراف تتشارك فيها الكتل السياسية ـ الاقتصادية الدولية الأساسية، ويضمن على الأرجح دورا ما لتلك الكتل التي بدأت تفد حديثا من خارج »المعسكر الغربي« التقليدي (الصين والهند مثالا) والتي بات يحسب لها حساب. ومع أن هذين الاتجاهين قد لا يختلفان كثيرا من حيث جوهر الفكر الاقتصادي الذي يحكمهما ـ والذي يتغذى من المصالح العضوية المشتركة للشركات العملاقة العابرة للقارات ـ الا أن التشكيلات العالمية المعنية بهما قد لا تعدم وسيلة، بما في ذلك الاقتصادية منها، لمحاولة التأثير أو التحكم في مجرى التقدم أو عدم التقدم على طريق الانتقال من نظام دولي الى نظام دولي آخر. وفي هذا الاطار من الطبيعي أن يعمد كل من تلك التشكيلات الى محاولة الاستفادة قدر المستطاع مما انطوى عليه تعاظم ظاهرة العولمة وتشعّبها على غير صعيد، من تفاوت في عناصر القوة والضعف وفي حجم ونوع المخاطر والتحديات التي تخصّه، وصولا الى تحسين شروطه في عملية اعادة تقاسم العالم. وهذا ما سوف يخلّف مفاعيل سياسية شديدة الأثر على المستوى الكوني.
ـ وفي إطار تفاعلات ظاهرة العولمة وما ينجم عنها من ازدياد كبير في حدّة المنافسة على المستوى الدولي، من الواضح أن يتجه العامل الاقتصادي نحو الاضطلاع بدور أكبر فأكبر في إعادة صياغة منظومة العلاقات الدولية عموما وتوازنات القوى بين التشكيلات المختلفة بصورة خاصة، حتى لو استمر العامل السياسي طاغيا على السطح. بيد أن دلائل عدّة تشير إلى أن إحدى أهم السمات المميزة لواقع العلاقات الاقتصادية الدولية الراهن، تتمثّل في تراجع الوزن النسبي لاقتصاد الولايات المتحدة الأميركية في شبكة المصالح الدولية، أو على الأقل اتجاه هذا الوزن بصورة متزايدة نحو عدم التناسب مع الوزن السياسي ـ العسكري لهذه الدولة. وهذا ما تؤكده المقارنات الدولية لمعدلات التراكم الرأسمالي وتطور حجم وبنية المبادلات الخارجية وكذلك تطور معدلات نمو الإنتاجية وغيرها من المؤشرات. وهذا على الأرجح ما دفع ويدفع الولايات المتحدة إلى السعي المحموم للتعويض من تراجعها الاقتصادي النسبي عبر هجوم سياسي شامل ذي طابع وقائي واستباقي، مستندة في ذلك إلى ما ينطوي عليه هذا الهجوم من تصعيد في عسكرة العلاقات الدولية. وليس خافيا أن هذه العسكرة تخدم المصالح الاستراتيجية والبعيدة المدى للمجمع الصناعي ـ العسكري ـ النفطي الأميركي وتبرّر مسوّغات الاستمرار في تركيز الاستثمارات الرأسمالية في النشاطات التي يغطيها هذا المجمع.
ـ إن المجمّع الصناعي ـ العسكري ـ النفطي الذي يلعب دوراً حاسماً في اقتصاد الولايات المتحدة، قد وجد ـ بعد انتهاء الحرب الباردة ـ أن وقف تراجع الوزن النسبي للاقتصاد الأميركي، يستوجب استيلاد أعداء جدد على المستوى الكوني وبالتالي استحداث تناقضات جديدة من النوع الذي يبرر استمرار استقطاب العالم سياسيا لصالح الولايات المتحدة. هكذا تمّ الترويج لحرب الحضارات تارة وللحرب الشاملة على الإرهاب تارة أخرى، من دون التحديد الدقيق لحيثيات هذا النوع من الحروب التي تنطوي على مصالح سياسية وطبقية بعيدة المدى. وقد ظلّ الهدف واحدا في جميع الأحوال: إعادة إحكام النفوذ السياسي والعسكري على عالم يتغير ـ وتميل بعض مكوناته وكتله نحو الانعتاق النسبي مستفيدة من فرص كامنة ومتناقضة أتاحتها ظاهرة العولمة ـ والحرص بالتالي على استمرار الإمساك بقرارات العالم الأساسية بما يتيح الفرصة أمام استعادة زمام المبادرة على الصعيد الاقتصادي، عبر تعزيز وإعادة تجديد مقوّمات هيمنة المجمّع الصناعي ـ العسكري ـ النفطي داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ـ إن النسق الجديد لليبيرالية الرأسمالية في زمن العولمة قد انطوى على تداعيات سياسية واجتماعية عميقة وشاملة طاولت بلدان »المركز« الرأسمالي نفسها كما طاولت معظم بلدان العالم الأخرى. ففي الفئة الأولى من البلدان، تعاظم الدور السياسي للتشكيلات اليمينية بأطيافها المختلفة وبخاصة اليمين المحافظ، وتعزّز الهجوم على مكاسب الطبقة الوسطى والفئات الفقيرة وسط سعي محموم لتحجيم دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي وإطلاق العنان أمام حرية رأس المال. وقد شهدت معظم تلك البلدان تراجع معدلات التراكم والاستثمار المنتج وانتفاخ وزن الاقتصاد المالي الريعي والمضارب على حساب الاقتصاد الحقيقي، الأمر الذي انعكس تراجعا في الأجر الوسطي وارتفاعا في الأرباح الرأسمالية وفي معدلات البطالة والتضخم وبالتالي في معدلات الاستغلال… مما يشير بما لا لبس فيه إلى أن »التسوية« الطبقية التاريخية التي صيغت في الغرب غداة الحرب العالمية الثانية عبر إنشاء وتطوير تجربة »الدولة ـ الراعية« أصبحت متجهة نحو التلاشي والسقوط. أما في البلدان الأخرى من العالم فإن الليبيرالية المعولمة قد أثمرت مجموعة من التناقضات العصية على المعالجة: تعايش جزر من النمو مع بحار من الفقر والتهميش والاستبعاد، تعزيز آليات التبعية بأشكالها المختلفة، تدمير بنى الإنتاج المحلي وفرص العمل المنتج، تقليص الحيّز الفعلي لممارسة السيادة الفعلية على القرارات والموارد الوطنية لصالح »الراعي« الدولي الذي يفتي بالوصفات الجاهزة عبر المؤسسات الدولية الدائرة في فلكه… وهذا ما جعل نسق الليبرالية الجديد يذكّر بتلك الأشكال من الليبيرالية »التايلورية« التي ازدهرت قبل نحو مئتي عام، مما يسهّل وصف الرأسمالية المعاصرة بالرأسمالية »النيو ـ تايلورية«.
ــ إن موضوع الطاقة وبخاصة النفط يشكل بالنسبة للمجمّع الصناعي ـ العسكري الأميركي حقلا استراتيجيا بامتياز لمحاولة كسب معركة تجديد السيطرة الاقتصادية والسياسية على العالم في زمن العولمة. ففي وقت تؤكد فيه كبريات مراكز الأبحاث الدولية أن النفط سوف يبقى لعقود عدّة ومن دون منازع مصدر الطاقة الأول في العالم ، وأن الجزء الأهم من احتياجات النفط العالمية الجديدة (المقدرة بنحو ٥٠ مليون برميل إضافي يوميا خلال العقدين المقبلين) سوف يتأمن من البلدان العربية المنتجة تحديدا ، فإنه من الطبيعي في مثل هذه الظروف أن لا يتخلى هذا المجمّع عن خططه وبرامجه الدؤوبة لمواصلة السيطرة بل الوصاية الشاملة على هذا المورد الحيوي

المزيد





ووجهك شاحب ولكن يوزع ضيّ