حملات مدنية لتعزيز السلم الأهلي والمواطنة

كتبهاعماد الدين رائف ، في 6 تشرين الأول 2008 الساعة: 13:48 م

نحو مجتمع مدني..
يعزز السلم الأهلي والمواطنة
 
ليس بعيداً عن التخبط اللبناني في مستنقعات الطائفية والمذهبية والمناطقية والفئوية تنشط منظمات وتجمعات وائتلافات مدنية في حركة دؤوبة لتعزيز السلم الأهلي اللبناني منطلقة من خلفية مدنية – علمانية، مرتكزة على الدستور وشرعة حقوق الإنسان والمواثيق الدولية المتصلة بها، لتؤسس لنظرة عامة بعيدة عن التجاذبات السياسية ذات المصالح الضيقة، التي ما يزال اللبنانيون يعانون منها. ما هو المجتمع المدني؟ ما الفرق بينه وبين المجتمع الأهلي أو الخيري أو المحلي؟ ما هي أبرز تحركات المنظمات المدنية اللبنانية منذ احتدام الأزمة الأمنية السياسية بعد اغتيال الرئيس الحريري؟ وكيف يمكن لهذه المنظمات أن تعمل على تعزيز السلم الأهلي، وتساهم في بناء وطن لجميع أبنائه؟
 
المجتمع المدني من حيث المبدأ هو نسيج متشابك من العلاقات التي تقوم بين أفراده من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى؛ علاقات تقوم على تبادل المصالح والمنافع، والتعاقد والتراضي والتفاهم والاختلاف والحقوق والواجبات والمسؤوليات، ومحاسبة الدولة في كل الأوقات بالسبل الديمقراطية. هذا النسيج من العلاقات يستدعي، لكي يكون ذا جدوى، أن يتجسد في مؤسسات طوعية، اجتماعية واقتصادية وثقافية وحقوقية متعددة، تشكل في مجموعها القاعدة الأساسية التي ترتكز عليها مشروعية الدولة من جهة، ووسيلة محاسبتها إذا استدعى الأمر ذلك من جهة أخرى.
للمجتمع المدني بهذا المفهوم أربع مقومات أساسية هي: الفعل الإرادي أو التطوعي، الانتظام في منظمات أو جمعيات، قبول التنوع والاحتلاف بين الذات والآخر، وعدم السعي للوصول إلى السلطة. ويدخل في دائرة منظمات المجتمع المدني أي كيان مجتمعي منظم يقوم على العضوية المنتظمة تبعاً للهدف العام، مثل: النقابات، الحركات الاجتماعية، الجمعيات التعاونية، النوادي الرياضية والاجتماعية، الاتحادات الشبابية والطلابية، المنظمات غير الحكومية الدفاعية والتنموية كمراكز حقوق الإنسان والمرأة والتنمية والإعاقة، الصحافة الحرة وأجهزة الإعلام والنشر، مراكز البحوث والدراسات والجمعيات الثقافية. ويقوم المجتمع المدني بدوره، وخاصة المنظمات المطلبية غير الحكومية المعنية بالقضايا الاجتماعية وعلى رأسها قضايا الإعاقة، على مستويين: الأول، تعبوي من خلال نهوض المنظمات هذه بوظائفها الأساسية في المجتمع وتكون فعلاً على الأرض مع أصحاب القضية بشكل مستمر ومتواصل، والثاني توعوي يتحقق من خلال التدريب العملي على الأسس الديمقراطية تجاه الأفراد والمجموعات المدنية ومؤسسات الدولة كلما دعت الحاجة. من الملاحظ، هنا، أن الصحافة الحرة ووسائل الإعلام هي بالضرورة من الكيانات الاجتماعية الداخلة في دائرة المجتمع المدني؛ مع التأكيد على الحرّة منها، أي تلك التي تشكل فعلاً سلطة رابعة تضاف إلى التشريعية والتنفيذية والقضائية، وليست تلك التابعة مباشرة إلى فئة أو جهة أو طائفة أو تنظيم.
 
أهلي، خيري، أم مدني؟
 
عملت الحكومات المتعاقبة على السلطة التنفيذية في لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975 – 1991) حتى يومنا هذا على تعميم غير مقصود لمفهوم تنظيم عملية التسول على مستوى وطني. فلبنان كدولة محدودة المصادر معتمدة بالدرجة الأولى على عائدات الخدمات السياحية من جهة وعلى عائدات أبنائه المهاجرين في الخارج العربي وغير العربي يرزح تحت وطأة خدمة دينه العام الذي يربو عن خمسين مليار دولار أمريكي، تم صرف أصله في الاستهلاك لا الاستثمار؛ فيما لم يعد يسمح له وضعه الأمني غير المستقر بنمو اقتصاده، يعمم مسؤولوه الماليون والسياسيون اعتماده على الهبات والمساعدات والودائع المصرفية، مما بات يسمح بمساحة لا بأس بها من وعي المواطن العادي للاتكال الدائم على مبدأ المساعدة والهبة، وبالتالي يستسيغ هذا المواطن رؤية مشاهد متكررة من طلب التعويضات من الدولة أو الجمعيات التي حلت قسراً محل الدولة في بعض الخدمات في حياته اليومية، وبالضرورة على شاشات التلفزة التي ما هي إلا عكساً للواقع الذي يعيشه.
وقد حمل هذا التعميم مخاطر جمة على الفئات المهمشة، وعلى رأسها فئة الأشخاص المعوقين، من قبل المجتمع الذي ينظر إليهم من خلال النموذجين الطبي والخيري، ويضعهم في خانة العجز الذي يستحق هذه الهبات والمساعدات من جهة؛ ومن جهة أخرى تعزيز الشعور بالاتكالية لدى كثيرين من الأشخاص المعوقين الذين قد يصرفون اهتمامهم عن تنمية قدراتهم والانخراط في المجتمع تفاعلاً وإنتاجاً إلى السكون وتلقي المساعدات والهبات والانعزال عن المجتمع إلا للظهور على الشاشات لطلب المساعدة.
من جهة أخرى يسمح القانون بنمو جمعيات خيرية أو أهلية تتبنى ظاهرياً قضايا مجتمعية، وتعمل على تعزيز مفهوم التسول في المجتمعات المحلية، مقدمة أشكالاً من الرعاية والمساعدات غير المنتظمة، في ظل تقصير الوزارات المعنية عن تلبية حاجات المواطنين، ولعب دور “الدولة الراعية للحقوق”، وعلى رأسها الوزارات المسماة خدماتية، والتي يتقاتل على توليها سياسيون يريدون امتطائها نحو صناديق الاقتراع. لا يخفى أن كثير من هذه الجمعيات الخيرية، الرعوية، الأهلية، يتبع بشكل أو بآخر إلى بطانة هذا الزعيم أو حاشية ذاك، وبالتالي تعمل بعض هذه الجمعيات كواجهة اجتماعية لتبييض صورة الزعماء المتناحرين وتلميعها، ولزيادة أرصدتهم النيابية. أما ما نقصده من المجتمع المدني فبعيد كل البعد عن هذا النمط، فكل تلك الخدمات وغيرها محصور بالضرورة بالدولة والمؤسسات العامة. تورد “واو” كأمثلة على تحركات مدنية أبرز حملات المنظمات المدنية اللبنانية منذ احتدام الأزمة الأمنية السياسية منذ 2005.
 
“خلص”
 
في 7 آب 2007 انطلقت من قصر الأونيسكو في بيروت حملة مدنية حملت عنوان “خلص… معاً لخلاص لبنان”. حملة خلص هي مبادرة مستقلّة أطلقها المجتمع المدني اللبناني خلال مرحلة الانقسام السياسي الحاد الذي انعكس سلباً على حياة كافة المواطنين اللبنانيين وهي تضم مجموعة من المنظمات الغير حكومية، منظمات حقوق الانسان، جمعيات أهلية وانسانية إضافةً إلى مواطنيين لبنانيين أفراد سعوا آنذاك إلى التشديد على خطورة الأزمة التي يتخبّط فيها لبنان، والضغط على الأطراف السياسية من أجل انهاء الجمود السلبي الذي وصلت إليه في تلك الفترة، مصمّمين على ضرورة تخطّي تلك المرحلة المصيرية. أما أبرز مطالب الحملة وشعاراتها فتمحورت حول التأكيد على أهمية الدولة المدنية، نبذ العنف ورفض مظاهر التسلح واللجوء إلى السلطة، التوقف عن التحريض بكل أنواعه بما فيه المذهبي والطائفي، وعدم استخدام وسائل الاعلام منبراً لهذا التحريض والدعوة إلى الحوار الجدي والصادق لوضع آليات سليمة للخروج من الأزمة. كما توجهت الحملة مباشرةً إلى السياسيين محملتهم مسؤولية الأزمة كما دعتهم إلى اتخاذ موقف حاسم لخلاص لبنان. ولعل أبرز أهداف الحملة هو توحيد جهود وقدرات المجتمع المدني لتشكيل قوة ضاغطة قادرة على التغيير إضافةً إلى مواكبة الحركة السياسية ومراقبة أداء الأطراف السياسيين.
عن الحملة تقول سونيا داي أحد الناشطين في الحملة: “إنطلقت الحملة كرد فعل على الجمود السياسي في البلاد ولزيادة الوعي لدى المواطنين على خطورة الوضع آنذاك وقد تنوعت نشاطاتها وطالت كافة المناطق اللبنانية فتم التركيز على النشاطات الهادفة إلى زيادة الوعي لدى المواطنين كنشاط الباص المتنقل الذي انطلق من بيروت نحو المناطق اللبنانية كافة فجالت مجموعة من ناشطي الحملة على المواطنين مع عريضة تطالب السياسيون بتحمل المسؤولية لأجل خلاص لبنان” كما أشارت إلى النشاطات الأخرى للحملة فقالت: “قامت الحملة بعدد من النشاطات الاعلامية وأخرى قاعدية هدفنا من خلالها إلى نشر الوعي لدى جميع المواطنين” وعن وضع الحملة اليوم تقول داي: “الحملة لم تنتهي ونحن حالياً نتباحث في كيفية متابعتها إلا أنها متوقفة حالياً لحين اتخاذ القرار المناسب حولها”.
 
“مرصد الأداء النيابي”
 
مرصد الأداء النيابي اللبناني مشروع أطلقته جمعية نحو المواطنية في العام 2006، و “نحو المواطنية” جمعية لبنانية، غير حكومية أسسها شباب لبنانيون، عام 2005، بهدف زيادة الوعي الديمقراطي وتفعيل دور المواطنين بهدف المشاركة الملتزمة والمطلعة في الحكم من خلال 4 استراتيجيات رئيسية: الحوار زيادة الوعي الديمقراطي ، والضغط والمناصرة، والأبحاث. أطلق مرصد الأداء النيابي اللبناني بهدف تعزيز الشفافية والمساءلة من خلال تأسيس مرصد يزوّد المواطنين بمعلومات حول أعمال أعضاء مجلس النواب، ومواقفهم من أهم قضايا السياسات العامة.
يتضمن موقع مرصد الأداء النيابي قاعدة معلومات تم جمعها ورصدها حول نشاطات النواب ومواقفهم في مجالات السياسة العامة وقضايا الشأن العام، سيرته، نقاشات الكترونية حول السياسات العامة، النظام الداخلي لمجلس النواب، لائحة بكافة القوانين التي اقرها المجلس النيابي الحالي بالإضافة الى معلومات تتعلق بكافة الأفراد والجمعيات المشاركة في هذا المشروع. كما ويحدد المرصد خمس أولويات في السياسات العامة تُعنى بالمواطن وشؤونه تم إختيارها استناداً الى جلستين مع عدد من جمعيات المجتمع المدني ومن خلال استطلاع الكتروني إضافةً إلى إجراء مقابلات مع النواب من أجل الحصول على معلومات متعلقة بعملهم ومواقفهم من هذه القضايا الخمس.
وعن المرصد تقول سونيا داي أحد مسؤولي البرنامج: “نحن، في برنامج مرصد الأداء النيابي اللبناني، نؤمن أن التغيير يتحقق من خلال أعمالنا الخاصة وسلوكنا الفردي ونحن نسعى جاهداً لكي نسلك بأنفسنا ما نطالب نوابنا ونظراءنا المواطنين سلوكه.” وعن أهدافه تضيف: “يهدف المرصد إلى توعية المواطنين على القضايا السياسية وتشجيعهم على المشاركة من خلال السعي إلى إزالة حاجز المعلومات بينهم وبين النواب، كما نسعى إلى تعزيز الحكم الصالح من خلال تزويد المواطنين بأدوات تمكنهم من محاسبة مسؤوليهم” وحول كيفية جمع المعلومات تقول داي: “نقوم بزيارة النواب ونطرح عليهم الأسئلة ونقيّم من خلالها عملهم في البرلمان كالسؤال عن أولويات النائب في العمل مثلاً”. يستمر المرصد حالياً في عمله على رصد نشاطات النواب وتزويد المواطنين بالمعلومات من خلال موقعه الاكتروني؛ وذلك ضمن استراتيجية تهدف إلى إحداث تغيير في مقاربة هذه المواضيع، كما أشارت داي في حديثها إلى أن المرصد يستعد حالياً لينطلق في مرحلة جديدة من الرصد خلال شهر آب 2008.
 

مسير الربيع.. لبنان لكل أبنائه
تحت شعار الوطن إلنا كلنا، لف اتحاد الشباب الديموقراطي اللبناني كل المناطق اللبنانية، سيراً على الأقدام، داس في خلالها على الحواجز الطائفية والمذهبية التي تسيج المواطنين في أطر مناطقية ضيقة. “حملة شاذة عن واقع الفرز المذهبي والطائفي القائم، بادر الى إطلاقها نحو عشرون شاباً وشابة، يسعون إلى سحب بساط التبعية من تحت أقدام الزعماء وأولياء الحرب والسلم، عبر توعية أهالي لبنان بأن الخلافات السياسية زائلة بتوافق من يضرمها، ولكن الحرب النفسية تستمر بحيث يحاول الزعماء بثها في نفوس اللبنانيين، فيعمدون إلى تفرقة المواطنين الذين يعانون من الأزمات عينها، ومن الفقر نفسه، ومن التهميش والإقصاء والموت ذاته، في سبيل إلهائهم عن قضاياهم وهمومهم الأساسية، وفي سبيل إبعادهم عن المطالبة بحقوقهم وأقله الحق بالسلم والعيش الكريم، وبذلك تضمن الطبقة السياسية القائمة استمراريتها على أجساد المواطنين”.
“نسير.. نسير لنفك قيد الوطن الأسير”، لطالما كانت كلمات هذه الأغنية مجازية، أما في 6 تموز الماضي، ومع انطلاق مسير الربيع الذي أطلقه اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني، فتحول المجاز إلى حقيقة. انطلق المسير، الذي تم تأخيره لعامين كاملين نتيجة الظروف الأمنية، من مدينة عاليه الجبلية ساعياً إلى ثلاثة أهداف، الأول تحقيق حلم الزميل الراحل ربيع منذر، وهو أحد الشباب الاتحاديين الذي حلم بهكذا مسير يجتاز المناطق والطوائف، والثاني إلغاء الطائفية المذهبية المناطقية، والثالث التعرف إلى المناطق اللبنانية المختلفة وزيادة اللحمة بين الشباب والمناطق المختلفة، فتمت زيارات لمخاتير القرى وبلدياتها للتوقيع على نداء جامع بعنوان “نداء من أجل الوطن.
في التاسع من آب حط مسير الربيع رحاله في بيروت، حيث عقد مؤتمراً صحافياً حول المسير ورسالته والأحداث التي رافقته خلال مروره في كل المناطق اللبنانية، في مركز اتحاد الشباب الديموقراطي في مار الياس، بعد احتفال كبير تجمع فيه الاتحاديون ومناصروهم وعلقت على طرفي الشارع صوراً لمراحل مختلفة من المسير؛ وكذلك بعد أن زار مخاتير المناطق البيروتية وضواحيها، ليوقعوا أسوة بمخاتير لبنان جميعاً على عريضة الوحدة ونبذ الحواجز الطائفية والمذهبية بين المناطق، حيث كانت بيروت نقطة النهاية لمسير دام شهراً و٦ أيام.
 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بلا سياسة, كلمة | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

 



ووجهك شاحب ولكن يوزع ضيّ